لايف راديو
مقالات متنوعة

العبقرية المصطنعة وسط القوة متلاشية

post-img

أظهرت عملية طوفان الأقصى الّتي انطلقت في السابع من تشرين الأول \ 2023، هشاشة إسرائيل الّتي لطالما ادّعت قوتها وذكائها، إلّا أن هذا الادّعاء آنَ له أن ينجلي، مخلّفاً وراء غروبه مأزقاً استراتيجياً وعسكرياً واقتصادياً خطيراً، قد يهدّد وجود إسرائيل.

ولم تنحصر الصدمة في الجانب الأمنيّ والإخفاق العسكري، بل تجاوز ذلك إلى كافة أجهزة الدولة والمجتمع الإسرائيلي برمته، فقد أدخل طوفان الأقصى أجهزة الدولة في حالة من اختلال التوازن لم تعهده إسرائيل حتّى في حرب تشرين الاول عام 1973، ولم يتوقف الأمر هنا، فهذه العملية طالت الملف الاقتصادي الإسرائيلي الّذي عجز عن إدارة عجزه، بينما كان يستنزف قواه من كلّ صوب وحدة.

وبينما كان العالم يتدفأ بوهج التقدّم والتطوّر، استغلت إسرائيل أدوات هذا التطوّر ليكون ستاراً تخفي خلفه عجزها و فشلها الذريع، مسخرّةً أدوات العلم والتكنولوجيا في سبيل استمرار نزعتها العدوانية والعنصرية، لتبقى "آلة الموت الإسرائيلية" مستمرة.

تخاذل أجهزة الاستخبارات

لطالما اعتُبر جيش الاحتلال الإسرائيلي واحداً من أقوى الجيوش في المنطقة، إلا أن الهزيمة التي مُني بها مؤخراً أمام المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، كشفت هشاشته وعدم استعداده.

فقد فشل الجيش المُدعى بأنه الأكثر تطوراً تكنولوجياً، في صد الهجوم المفاجئ الذي نفّذته كتائب القسام وفصائل المقاومة الأخرى.

ورغم تفوّقه العددي والعتادي الساحق، إلا أنه عجز عن تحقيق أهدافه وتكبّد خسائر بشرية ومعنوية فادحة.

الأمر الذي أثار موجة انتقادات واسعة داخل إسرائيل، وطرح تساؤلات حول مدى جاهزية هذا الجيش وقدرته على الوفاء بمهامه.

وعملية"طوفان الأقصى" مؤخراً، كشفت عن الخللّ البنيوي والإخفاق المعلوماتي الرهيب لدى منظومة الإستخبارات الإسرائيلية، وخصوصاً جهاز "أمان" العسكري المسؤول عن إدارة واستثمار المعلومات الإستخباراتية.

فبالرغم من حصول "أمان" على معلومات مسبقة عن نوايا المقاومة الفلسطينية في شنّ هجوم واسع، إلّا أنّ الجهاز فشل فشلاً ذريعاً في استثمار تلك المعلومات وتحويلها إلى إجراءات "وقائية" عملية.

ويُعزى ذلك إلى سوء تقدير الجهاز لأهميّة تلك المعلومات، ولحالة الجمود والبيروقراطية المقيتة التي تُعاني منها منظومة الاستخبارات، كل ذلك أفقد "أمان" القدرة على التصدي للهجوم، وأربك مراكز صنع القرار.

وبلغ إخفاق "أمان" ذروته بمقتل الجنود الإسرائيليين الثلاثة على أيدي قوات الاحتلال نفسها، في مشهد يكشف مدى الفوضى والارتباك التي تسود المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

فبالرغم من توفر المعلومات الدقيقة لدى الأجهزة الأمنية عن مكان احتجاز الجنود، إلا أن حالة الضياع وسوء التنسيق أسفرت عن قتل قوات الاحتلال جنودها "دون قصد"!.

وشكّل هذا الحادث صفعة قوية لمنظومة الاستخبارات، وكشف بجلاء عن عمق الخلل وسوء الإدارة.

لم تعد المشكلة تكمن في نقص المعلومات، بل في العجز عن استثمارها وترجمتها إلى إجراءات فاعلة على أرض الواقع.

ولم تكن عملية مقتل الجنود الإسرائيليين الثلاثة على أيدي قوات الاحتلال نفسها سوى الفصل الأخير من ملحمة العبث واللامبالاة التي طبعت تعامل الأجهزة الأمنية مع هذه القضية المأساوية.

فقبل الحادث بخمسة أيام، كانت كاميرا مثبتة على أحد الكلاب البوليسية، تفيد التقارير أن الكلب حامل الكاميرا كان ينتمي إلى وحدة "عوكيتس" العسكرية المتخصصة، ما يُضفي بُعداً إضافياً من المرارة والسخرية على هذه الحادثة.

فالوحدة المذكورة من المفترض أن تكون الأكثر تدريباً وكفاءة في استغلال المعلومات الاستخبارية لإنقاذ الرهائن، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً في الاستفادة من اللقطات التي التقطها أحد كلابها،والتي كان من شأنها أن تمكن من إنهاء أزمة الرهائن دون خسائر.

لقد أظهر هذا الحادث بما لا يدع مجالاً للشك مدى الخلل والإهمال الذي تتسم به منظومة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ويُعتبر صفعة موجعة لسمعة هذه الأجهزة وكفاءتها المزعومة.

 قد التقطت مشاهد حية للأسرى الثلاثة داخل المبنى الذي احتُجزوا فيه، والذي يبعد مسافة كيلومتر واحد فقط عن موقع إعدامهم لاحقاً.

لكن وكالعادة، فشلت الأجهزة الأمنية في استثمار تلك اللقطات الحيوية لتحديد مكان الرهائن وإنقاذهم، بدلًا من ذلك، تم إرسال كلب آخر للتحري عن المبنى، فقُتل على الفور.

كيف تلقى الاقتصاد الإسرائيلي صدمة 7 تشرين الأول؟

بالرغم من القوة البنيوية للاقتصاد الإسرائيلي، والدعم الكبير الذي تلقته إسرائيل من المعسكر الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين من جهة أخرى بعد عدوانها على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فإنّ هذين العاملين لم يمنعَا وكالات التصنيف الائتماني العالمية من تعديل النظرة المستقبلية إلى الاقتصاد الإسرائيلي من "مستقر" إلى "سلبي"، وقد توقعت وكالة "ستاندرد آند بورز غلوبال" انكماش الاقتصاد الإسرائيلي بنحو خمس نقاط مئوية في الربع الأخير من هذا العام، وأعلنت كل من وكالتي "موديز" و"فيتش" عن وضع التصنيف الائتماني المحلي والعالمي لإسرائيل تحت المراجعة المفضية إلى التخفيض.

وفقد الشيكل الإسرائيلي منذ العدوان الإسرائيلي على القطاع أكثر من 5 في المئة من قيمته الدولارية على الرغم من التدخل المباشر لبنك إسرائيل (البنك المركزي) وضخه لنحو 30 مليار دولار لاحتواء الطلب المتزايد على الدولار والحيلولة دون تدهور أكبر لسعر صرف .

ويبدو أن البنك المركزي اختار التضحية بجانب من احتياطياته من العملات الأجنبية من أجل تجنب زيادة أسعار الفائدة؛ حتى لا يتعمق التراجع المحتمل في الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري المحلي، وللحيلولة دون انزلاق الاقتصاد نحو ركود أعمق، وهو أمرٌ يسمح بالقول إن عملية طوفان الأقصى هزت الاقتصاد الإسرائيلي بقدر ما هزت المؤسسة الأمنية والعسكرية والسياسية.

من جهته، كان محافظ بنك إسرائيل المركزي أمير يارون توقع أن تبلغ تكلفة الحرب 210 مليارات شيكل (56 مليار دولار) للدفاع والتعويضات للذين نزحوا من بيوتهم في الجنوب، بسبب عمليات المقاومة الفلسطينية.

وأظهرت مسودة معدلة لميزانية 2024 في إسرائيل أن عجز الميزانية من المتوقع أن يرتفع من 2.25% إلى 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري.

ووفقاً لمسودة الميزانية، ستؤدي الحرب على غزة التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى تراجع النمو الاقتصادي للعام الجاري بمقدار 1.1 نقطة مئوية بعد خسائر متوقعة قدرها 1.4 نقطة مئوية العام الماضي.

ويقدر الأثر المالي للحرب بنحو 150 مليار شيكل (40.25 مليار دولار) في الفترة 2023-2024 بافتراض انتهاء الحرب في الربع الأول من العام.

وكانت وزارة المالية الإسرائيلية اعترفت بأن إسرائيل سجلت عجزاً في الميزانية بلغ 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2023 مقارنة بفائض قدره 0.6% في عام 2022، عازية الأمر إلى زيادة الإنفاق الحكومي لتمويل عدوانها على قطاع غزة.

أملهم الأخير بعد غروب الأـسلحة وانهيار الخطط

وسط تكرار الخيبات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وبعد أن كانت جميع الخطط والاستراتيجيات ترى الفشل وتتلاشى أمام عيونهم، فكان الذكاء الاصطناعي الحلّ الأمثل "لجيش" اعتاد تسخير كلّ الأشياء في سبيل إرواء وحشيته وبطشه، فليس بغريب عليه شحذ أدوات التكنولوجيا الرقمية لتصبح أكثر فتكاً، مجسّدين المعنى الحرفيّ ل "الصهيونازية".

ومنذ بدء عدوانه على قطاع غزة، وهو يحاول إخراج كل ما بجعبته في هذه المواجهة، مستخدماً أحدث مافي ترسانته وترسانة حلفائه من أسلحة حديثة ومتطورة تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي، لتتفاقم حصيلة عدوانه من قتل وإبادة وتدمير.

وفي هذا الصدد، أشار تقرير في صحيفة "بوليتيكو" الأميركية بأن أميركا أرسلت مئات المسيرات التي تدعى طائرات استطلاع قصيرة المدى، تعتمد في تحركها على الذكاء الاصطناعي وأدواته دون الحاجة إلى توجيه بشري، مضيفاً بأنها تستخدم في إجراء مسح ثلاثي الأبعاد للهياكل الهندسية المعقدة مثل المباني بمختلف أنواعها.

كما يستخدم الاحتلال طائرات ذاتية القيادة من شركة "شيلد إيه آي" الأميركية، وهي طائرات "توفاج" والتي تستخدم داخل المباني فقط، إذ تعتمد على تخطيط خوارزميات الرؤية الحاسوبية للتحرك ذاتياً داخل المباني بدون الحاجة إلى نظام "جي بي أس" أو توجيه بشري.

وأفادت وسائل إعلام أميركية بأن "إسرائيل" طلبت من الولايات المتحدة 200 مسيرة انتحارية من طراز "سوتيشي بليه 600"،والتي تمتلك كاميرا متطورة وقادرة على حمل كمية من المواد المتفجرة، لافتةً إلى أن لديها القدرة على استقبال المعلومات من الطائرات دون طيار.

علاوةً على ذلك، فإن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم نظام "جوسبل" الذكي في تقدير عدد الضحايا المدنيين في القصف، واقتراح الأهداف الأكثر صلة بالهجوم داخل محيط معين، و حساب كمية الذخيرة اللازمة، علماً إنّ هذه الخوارزميات إحدى أكثر طرق القصف تدميراً وفتكاً في القرن الحادي والعشرين.

بدوره، كشف تحقيق استقصائي أجرته مجلة "+972" العبرية بأن إسرائيل اعتمدت في قصفها قطاع غزة على نظام "حبسورا" والذي وصفه ضباط استخبارات إسرائيليين ب "مصنع الاغتيالات الجماعية"، فمكّن إسرائيل من تحديد الأهداف بصورة شبه تلقائية لاستهداف التجمعات التي تعتزم إسرائيل بوجود عناصر المقاومين الفلسطينيين بداخلها.

 فبينما تراقب الحكومات القوية في جميع أنحاء العالم إسرائيل وهي تختبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي على الفلسطينيين، لا يمكن أن يتوهم العالم بآمال زائفة تخبّر بأن استخدام هذه التكنولوجيا من أجل الخير.

ومن جهتها، أدانت منظمة العفو الدولية استخدام الاحتلال الإسرائيلي كاميرات تحتوي تقنيات التعرف إلى الوجه، وذلك لمسح أوجه النازحين من شمال غزة إلى جنوبها للإمعان في التنصت التجسس.

هذه التقنية تفعّل مساحة استثناء مؤقتة لحظة التحديق في الكاميرا، حيث يمكن "قتل" المشتبه به في لحظتها، إنّها تقنية تهدد كل حقوق الإنسان التي لا يتمتع سكان غزة بأيّ منها.

فهل باتت أيام إسرائيل "الأقوى" و"الأذكى" في المنطقة معدودة؟ وهل حانت لحظة حقيقة صعبة بالنسبة لصانعي القرار في تل أبيب؟

إنّه سؤالٌ تُصعب الإجابة عليه، لأنه حين يتعلق الأمر بجانب مجرّد من الإنسانية تصبح الاحتمالات صعبة، فإسرائيل لن تهتم بالأفق السياسية لأهداف الحرب، فما يُحرّكها هو الانتقام، تاركةً الأفق السياسية والاقتصادية والعسكرية للدور الأمريكي الذي لن يتوانى لحظةً عن دعم الإجرام والقتل، وفتح الطريق أمام إسرائيل، وإن تدهوّر اقتصادها أو تراجعت قوتها العسكرية، ستجيب أميركا  قائلةً... آمين.

هديل حسام الدين- راما علبه

مقالات ذات صلة

داما بلاتفورم :

هي رحلة تتجاوز من خلالها الحدود التقليدية للإعلام ، منصتنا الرقمية التفاعلية تُقدم لك برامج متنوعة ومحتوى جريء يُلهم الأجيال الشابة ويستثمر في التحول الرقمي الإعلامي .

 

اكتشف معنا :

محتوى مُبتكر يُقدمه متخصصون في مختلف المجالات الإعلامية ، تجربة مستخدم فريدة تلائم تفضيلاتك.

 

لا تفوت الفرصة لتكون جزءًا من هذه المنصة الرائدة! انضم إلينا الآن وكن على تواصل مع العالم من خلال "داما بلاتفورم".